سعيد حوي
510
الأساس في التفسير
فضل الآخرة على الدنيا ، وتؤثرون الآخرة عليها . نفهم من هذا أن من حكم نزول القرآن العظيم بآياته كلها ، إثارة تفكير الإنسان . فمن لم يستثر القرآن تفكيره في أمر الدنيا والآخرة ، فإنه لا يكون قد حقق الحكمة من هذا البيان الواضح في القرآن . وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ، قُلْ : إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . عن ابن عباس قال : لما نزلت : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( سورة الأنعام ) و إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً . ( سورة النساء ) انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه . فجعل يفضل له الشئ من طعامه فيحبس له حتى يأكله ، أو يفسد . فاشتد ذلك عليهم . فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فأنزل الله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ، قُلْ : إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ . . . رواه أبو داود والنسائي . المعنى الحرفي : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى . . . أي : عن مخالطتهم في الطعام والشراب ، بجعل الطعام والشراب مشتركا بين اليتيم ووصيه ، وأمثال ذلك . والجواب قُلْ : إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ : أي مداخلتهم على وجه الإصلاح خير لهم ولأموالهم وخير من مجانبتهم ويحتمل أن يكون المراد بالإصلاح عزل طعامهم وشرابهم على حدة . وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ : أي وإن خلطتم طعامكم بطعامهم ، وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم ، لأنهم إخوانكم في الدين . قالت عائشة : « إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة حتى أخلط طعامه بطعامي ، وشرابه بشرابي » . وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ : لأموالهم . مِنَ الْمُصْلِحِ : لها . أي : يعلم من قصده ونيته الإفساد ، أو الإصلاح ، فيجازيه على حسب مداخلته ، فاحذروه . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ : العنت هو المشقة ، والحرج . أي : لو شاء الله لضيق عليكم ، وأحرجكم . ولكنه وسع عليكم ، وخفف عنكم ، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن . بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف ، إما بشرط ضمان البدل ، لمن أيسر ، أو مجانا ، كما سيأتي بيانه في سورة النساء . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ . أي : غالب . يقدر أن يعنت عباده ويحرجهم إن شاء ويعاقبهم إن خالفوا في الدنيا وفي الآخرة . حَكِيمٌ : لا يكلف عباده إلا وسعهم .